الشوكاني
79
نيل الأوطار
وعن ابن عمر قال : كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص فقلنا : كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب ؟ ثم قلنا : لو دخلنا المدينة فبتنا ، ثم قلنا : لو عرضنا نفوسنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا ، فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال : من الفرارون ؟ فقلنا : نحن الفرارون ، قال : بل أنتم العكارون ، أنا فئتكم وفئة المسلمين ، قال : فأتيناه حتى قبلنا يده رواه أحمد وأبو داود . حديث ابن عمر أخرجه أيضا الترمذي وابن ماجة ، وقال الترمذي : حسن لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد انتهى . ويزيد بن أبي زياد تكلم فيه غير واحد من الأئمة . قوله : الموبقات أي المهلكات ، قال في القاموس : وبق كوعد ووجل وورث ، وبوقا هلك كاستوبق ، وكمجلس المهلك والموعد والمجلس وواد في جهنم وكل شئ حال بين شيئين ، وأوبقه حبسه وأهلكه اه . ( وفي الحديث ) دليل على أن هذه السبع المذكورة من كبائر الذنوب ، والمقصود من إيراد الحديث ههنا هو قوله فيه : والتولي يوم الزحف فإن ذلك يدل على أن الفرار من الكبائر المحرمة ، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الفرار من موجبات الفسق . قال في البحر مسألة : ومهما حرمت الهزيمة فسق المنهزم لقوله تعالى : * ( فقد باء بغضب من الله ) * ( الأنفال : 16 ) وقوله : الكبائر سبع إلا متحرفا لقتال وهو أن يرى القتال في غير موضعه أصلح وأنفع فينتقل إليه . قال ابن عباس : وكانت هزيمة المسلمين في أوطاس انحرافا من مكان إلى مكان ، أو متحيزا إلى فئة وإن بعدت إذ لم تفصل الآية ، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأهل غزوة مؤتة : أنا فئة كل مسلم الخبر ونحوه انتهى . ومن ذلك قوله في حديث الباب : أنا فئتكم وفئة المسلمين والأصل في جواز ذلك قوله تعالى : * ( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ) * ( الأنفال : 16 ) وقد جوزت الهادوية الفرار إلى منعة من جبل أو نحوه وإن بعدت ، ولخشية استئصال المسلمين أو ضرر عام للاسلام ، وأما إذا ظنوا أنهم يغلبون إذا لم يفروا ففي جواز فرارهم وجهان : قال الامام يحيى أصحهما أنه يجب الهرب لقوله تعالى : * ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) * ( البقرة : 195 ) ولا إذ قال له رجل : يا رسول الله أرأيت لو انغمست في المشركين ؟